أحمد بن ابراهيم النقشبندي

285

شرح الحكم الغوثية

--> - وبه يجمع بين قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « من طلب اللّه وجده » ، وبين قول أبي يزيد البسطامي قدس سره : « السالك مردود ، والطريق مسدود » . فإن السلوك والطلب بمعنى واحد ، فصار مآل قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إلى أن الطالب واجد للّه . ومآل قول أبي يزيد : إلى أن الطالب غير واجد له ، وهما متناقضان ظاهر لكن المراد في الأول الطلب باللّه ، وفي الثاني الطلب بالنفس فلا تناقض ؛ لأن شرطه اتفاق القضيتين في الوحدات الثمانية وهنا ليس كذلك فتأمل . ثم أكده بقوله : ( الشيخ من نقلك من نار البعد وإلانفصال إلى جنة القرب والاتصال ) أي : شيخك المسلك لك أيها السالك هو الذي نقلك من نار هو البعد عن حضرة القدس والانفصال عنها بوقوفك مع السوى ، وشركك الخفي والأخفى إلى جنة هي القرب إلى اللّه ، والاتصال به اتصال الفرع بأصله من حيث الوصول إلى غاية المرام عاريا عن الوصل ، والفصل المشهودين بين العوام ؛ لأنهما بالمعنى المشهود محال في حقه تعالى حيث لا وصل ولا فصل ولا قرب ولا بعد . وفي لسان هذه الطائفة أن البعد هو المسمّى بالنار وبجهنم ، والقرب هو المسمّى بالجنة ، وإن البعد هو المتوهم والقرب هو المتحقق ؛ لأن المقامات والمواطن كلها مراتب ظهوره تعالى ، فلا بعد الإعلى سبيل التوهم فما ثمّ إلا قرب ، فالمراد النقل من البعد المتوهم الذي يتوهمه المريد إلى القرب المتحقق الذي هو الأمر عليه في نفسه ، وهذا لا يكون إلا برفع الحجاب له وكشف الأمور على ما هي عليه ، فيخرج المريد عن الوهم والخيال ، ويدخل في القرب والاتّصال فنكشف له حقيقة الحال . وبما ذكرناه تبين أنه تأكيد لما قبله ومعنى التأكيد على لسان الحقيقة أن يكون في اللاحق ما في السابق مع زيادة وفائدة جديدة ؛ لأن التجلي لا يتكرر ، ثم زاد الشيخ قدس سره في البيان اهتماما بهذا الشأن . وقال قدس سره : ( الشيخ من أمات نفسك قبل أن تموت ، وجال بروحك في عالم اللاهوت ) المراد بإماتة نفس المريد إخراجه عن الالتفات إلى الدنيا وتوابعها ، وعن النفس وحظوظها كالميت لا شيء له مما ذكر ، وهذه الإماتة إرادية كما أن الخروج مما مرّ إرادي ، والمراد بالموت الثاني الموت الطبيعي ، وقد مرّ معنى الموت بأقسامه ( جال ) في الحرب جولة بفتح الجيم ، وجال في الطواف جولا بفتح الجيم وضمها وبسكون الواو وجولا بتحريك الواو ، وجول بالتشديد تجوالا ، واجتلال ، والجال بمعنى طاف كذا في القاموس .